فصل: (فرع: الإجارة لما فيه نفع)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[كتاب الإجارة]

وهي مشتقة من الأجر، وهو الثواب.
تقول: أجرك الله، أي: أثابك الله، فكأن الأجرة عوض عمله، كما أن الثواب عوض عمله.
إذا ثبت هذا: فيجوز عقد الإجارة على المنافع المباحة، مثل: أن يؤاجر نفسه أو عبده للخدمة، أو داره للسكنى، وما أشبه ذلك، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال عبد الرحمن الأصم، والقاساني: لا تصح الإجارة؛ لأنها غرر.
ودليلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو لم يكن في الإجارة إلا هذا.. لكفى). وذلك:
أن الله تعالى ذكر: أن المطلقة إذا أرضعت ولد زوجها.. فإنه يعطيا أجرها، والأجرة لا تكون إلا في إجارة، والرضاع غرر؛ لأن اللبن قد يقل وقد يكثر، وقد يكون الصبي يشرب من اللبن قليلًا، وقد يشرب من اللبن كثيرًا، وقد أجازه الله تعالى.
ويدل على صحتها: قَوْله تَعَالَى - في قصة موسى وشعيب -: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26] {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]. فلولا أن الإجارة كانت جائزة في شرعهم.. لما قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} [القصص: 26]، ولأنكر عليها شعيب، وأيضًا فإنه قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]. فجعل المنفعة مهرًا.
وقَوْله تَعَالَى - في قصة الخضر وموسى -: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77].
وأما السنة: فروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استأجر أجيرًا.. فليبين له الأجرة».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى فيّ عهدًا ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفه أجرته».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر استأجر رجلًا خريتًا عالمًا بالهداية». والخريت: الدليل.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجم وأعطى الحجام أجرته».
وأما الإجماع: فروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (أنه أجر نفسه ليهودي يستقي له الماء؛ كل دلو بتمرة).
وروي: أن ابن عمر، وابن عباس قالا في قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]
ولا تجوز الإجارة على المنافع المحرمة، مثل: أن يستأجر رجلًا ليحمل له خمرًا لغير الإراقة.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لعن الله الخمرة وحاملها». وإذا كان حملها محرمًا.. قلنا: منفعتها محرمة، فلم يجز أخذ العوض عليها، كالميتة، والدم.
وإن استأجره على حمل خمر لإراقتها.. قال ابن الصباغ: صحت الإجارة؛ لأن إراقتها واجبة.

.[فرع: الإجارة لما فيه نفع]

ذكر الصيدلاني: أن الشافعي قال في " حرملة ": (يجوز الاستئجار على كنس الخلاء؛ لأنها تقع على منفعة وإن كان بإخراج نجاسة، فصحت كالحجامة).
قال الشافعي: (وإن استأجره لطرح بهيمة ماتت بجلدها.. لم تصح الإجارة؛ لأن جلدها لا يجوز أن يكون ثمنًا، فلم يجز أن يكون أجرة، فإن رافعه إلى الحاكم، فإن كان قبل العمل.. فلا شيء له، وإن كان بعد العمل.. استحق أجرة المثل؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له).
فإن كان الأجير قد سلخ الجلد.. قال ابن الصباغ: رده إليه؛ لأن يد مالك الشاة مقرة عليه، وله استصلاحه.

.[فرع: استئجار الكلاب]

وهل يجوز استئجار الكلاب المعلمة؟ فيه وجهان:
من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأن منفعتها مباحة، فجاز استئجارها، كسائر المنافع المباحة.
ومنهم من قال: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأنها منفعة غير مملوكة، وإنما أبيحت للحاجة، كالميتة للمضطر.
والدليل على أنها غير مملوكةٍ: أنها لا تضمن بالغصب، وكل منفعة لا تضمن بالغصب، لا يصح الاستئجار عليها.
فإن استأجر بيتا ليتخذه بيت نارٍ، أو كنيسة، أو ليبيع فيه الخمر.. لم تصح الإجارة. وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أنه فعل محظور، فلا يجوز الاستئجار عليه، كما لو استأجر امرأة ليزني بها.
وإن استأجر دارًا أو بيتًا ليتخذه مسجدًا ليصلي فيه.. صحت الإجارة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح عقد الإجارة بذلك؛ لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة بحال، فلا تجوز الإجارة له، كما لو استأجر امرأة ليزني بها). وهذا غير صحيح؛ لأن ذلك فعل جائز، فجاز الاستئجار له، كالخياطة. وما ذكروه.. فلا يصح؛ لأن الصلاة لا تدخلها النيابة، فلا ينتفع بها المستأجر، بخلاف المسجد، ويفارق الزنا، فإنه فعل محظور.

.[فرع: لا يستأجر الفحل للضراب]

ولا تجوز إجارة الفحل للضراب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يجوز) وبه قال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا، لأنها منفعة تستباح بالإعارة، فاستبيحت بالإجارة، كسائر المنافع.
والأول أصح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن عسب الفحل»، وبعضهم يرويه: (عن ثمن عسب الفحل). وقد اختلف في العسب:
فقال الأموي، وأبو عبيدٍ [في " غريب الحديث " 1/154] هو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: عسبت الرجل أعسبه عسبًا: إذا أعطيته الكراء على ذلك، وعلى هذا تحمل رواية من روى: (ثمن عسب الفحل)، أي: عن كراء الفحل.
وقال بعض أهل اللغة: العسب: هو الضراب نفسه؛ لقول الشاعر، وذكر قومًا أسروا له عبدًا، فرماهم به:
فلولا عسبه لتركتموه ** وشر منيحةٍ عسب معار

ويروى:
فلولا عسبه لرددتموه ** وشر منيحةٍ هنه معار

وعلى هذا تحمل رواية من روى: (عن ثمن عسب الفحل)، ولأن ذلك لا يقدر على تسليمه؛ لأنه متعلق باختيار الفحل وشهوته.
فإن استعار من رجل فحلًا، وأعطاه هدية أو كرامة.. جاز لمالك الفحل قبولها.
وقال أحمد: (لا يجوز؛ لأن ما منع من أخذ الأجرة عليه.. لا يجوز قبول الهدية لأجله، كمهر البغي، وحلوان الكاهن).
دليلنا: أنه هدية لأجل منفعة مباحة، فجاز أخذها، كالهدية للحجام، وأما البغي والكهانة: فهما شيئان محظوران، فلم يجز أخذ الهدية لأجلهما.

.[فرع: استئجار الأموال]

ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير ليتجر بها؛ لأنه لا يمكن التجارة بها إلا بإتلافها، والإجارة لا تصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. وهل تصح إجارتها ليجمل بها الدكان، ويتركها التاجر في يده، ويقلبها ليأمنه الناس ويعاملوه؟
فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين، فهي كسائر المنافع.
والثاني - وهو الصحيح -: لا تصح؛ لأنها منفعة لا تضمن بالغصب، فلم يصح الاستئجار عليها كوطء الأمة، وما ذكره الأول.. يبطل بالطعام، فإن الطعام يتجمل به الحناط بتركه في دكانه ليعامله الناس، ومع هذا فلا يصح إجارته لذلك. وهل يصح استئجار الطعام ليعاير به الكيال والمكاييل؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.

.[فرع: استئجار البستان للثمرة]

وإن استأجر بستانًا لأخذ ثمرته، أو استأجر موضعًا ليرعى فيه.. لم يصح؛ لأن الثمرة والمراعي أعيان، فلا تستباح بعقد الإجارة.
وإن استأجر بستانًا لينظر إليه.. لم يصح؛ لأنه يملك النظر إليه من غير إذن صاحبه، فبذل المال في ذلك سفه، فلم يصح.
وإن استأجر أشجارًا ليجفف عليها الثياب، أو ليشد عليها حبلًا يجفف عليه الثياب.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها منفعة غير مقصودة.
والثاني: يصح؛ لأنها منفعة مباحة، فهي كسائر المنافع.
قال الشيخ أبو إسحاق: وكذلك الوجهان فيمن استأجر شجرًا للاستظلال به، ولعله أراد: إذا كان قعود المستظل في ملك صاحب الشجر، فأما إذا كان قعوده في ملكه، أو في موضع مباح، بأن يكون الشجر يجاوره بملكه، أو بموضع مباح، وظلها فيه.. فلا يصح استئجاره لذلك، وجهًا واحدًا؛ لأنه يملك القعود في ظلها من غير إذن صاحب الشجرة، وبذل المال فيه من أكل المال بالباطل.
ولو قيل: إذا كان قعود المستظل في ملك صاحب الشجرة.. صحت الإجارة، وجهًا واحدًا، كما لو استأجر منه بيتًا ليستظل فيه.. لم يكن بعيدًا.
وإن استأجر حبلًا ليجفف عليه الثياب.. قال ابن الصباغ: صح ذلك، وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك منفعة مقصودة منه.

.[فرع: استئجار الكتب]

وإن استأجر كتابا فيه قرآن، أو فقه، أو طب، أو شعر مباح، وما أشبه ذلك ليقرأ فيه.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح، كما لا يصح أن يستأجر سقف بيت فيه تصاوير لينظر إليها).
دليلنا: أن هذا منفعة مباحة، فجاز عقد الإجارة عليها، كلبس القميص، وأما النظر إلى السقف والتصاوير: فليس بمقصود.
قال ابن الصباغ: وإن كان النظر إلى السقف شيئًا مقصودًا مباحًا.. جاز استئجاره لذلك أيضًا.

.[فرع: استئجار حائط لأجل وضع خشبه]

فإن استأجر حائطًا ليضع عليه خشبًا معلومة، مدة معلومة.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح).
دليلنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على استيفائها، فصحت الإجارة عليها؛ كما لو استأجر سطحًا لينام عليه، أو ثوبًا ليلبسه.

.[فرع: الاستئجار لاستيفاء القصاص]

وإن استأجر رجلًا يستوفي له القصاص في الطرف، أو في النفس.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح في النفس؛ لأن عدد الضرب مجهول).
دليلنا: أن هذا حق يجوز التوكيل في استيفائه، فجاز عقد الإجارة عليه، كالقصاص في الطرف، وتكون الأجرة هي على المقتص منه.
وقال أبو حنيفة: (هي تكون على المقتص له).
دليلنا: أنها أجرة تجب لإيفاء حق، فكانت على الموفي، كأجرة الكيال والوزان، وذلك: أنه إذا باع عشرة أقفزة من صبرة، أو عشرة أرطال من ظرف سمن.. فإن الكيل يجب على البائع، وأجرة الكيال عليه. وإن باعه صبرة، أو سمنًا في ظرفٍ، فأراد المشتري أن يعرف كيلها، أو وزنه.. فإن أجرة الكيال والوزان عليه. وكذلك: أجرة النقاد إن باعه بدنانير معينة.. فأجرة ناقد الدنانير على البائع.
وإن باعه بدنانير في الذمة.. فأجرة ناقدها للقبض على المشتري؛ لأن الإيفاء واجب عليه.

.[فرع: الاستئجار للبيع والشراء]

إذا استأجر رجلًا ليبيع له ثوبًا بعينه.. صحت الإجارة، وإن استأجره ليشتري له ثوبًا بعينه.. قال ابن الصباغ: لم تصح الإجارة عندي.
والفرق بينهما: أن البيع في العادة ممكن؛ لأنه لا ينتفي الراغب فيه أصلًا، وأما الشراء بشيء معين: فلا يكون إلا من واحدٍ، وقد يبيع، وقد لا يبيع، فلا يمكن تحصيل العمل بحكم الظاهر.
وإن استأجره لشراء شيء، ووصفه، ولم يعينه.. جاز؛ لأن الظاهر أنه يمكنه شراؤه.

.[فرع: استئجار الكافر المسلم]

وإن استأجر الكافر مسلمًا.. نظرت:
فإن استأجره لعمل في ذمته.. صح؛ لأنه لا صغار عليه في ذلك.
وإن استأجره لعمل مقدر، في زمان معلوم.. ففيه طريقان:
الأول: من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناءً على القولين في جواز شراء الكافر للمسلم؛ لأن في ذلك استيلاء عليه وصغارًا، كالملك.
والثاني: منهم من قال: يصح، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن ذلك عمل في مقابلة عوض، فأشبه العمل في ذمته، ويخالف الملك؛ لأنه يقتضي تسلطا واستدامة ملكه عليه.

.[مسألة: من يملك الإجارة وبم تنعقد؟]

ولا تصح الإجارة إلا من جائز التصرف في المال؛ لأنه تصرف في المال، فهو كالبيع.
وتنعقد الإجارة بلفظ الإجارة؛ لأنه لفظ موضوع له، وهل تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنعقد؛ لأنه تمليك يتقسط العوض فيه على المعوض، فانعقد بلفظ البيع، كالصرف ينعقد بلفظ البيع، وفيه احتراز من النكاح، فإنه لا ينعقد بلفظ البيع؛ لأنه لا يتقسط العوض فيه على المعوض.
والثاني: لا ينعقد؛ لأن البيع يخالف الإجارة في الاسم والحكم، فلم تنعقد الإجارة بلفظه، كالنكاح.
وإذا عقدت الإجارة على عين.. فاختلف أصحابنا فيما يتناوله عقد الإجارة:
فقال أبو إسحاق: إن العقد يتناول العين، ولهذا يقول: أجرتك داري. وقال أكثر أصحابنا: إن العقد يتناول المنفعة دون العين، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن الأجرة في مقابلة المنفعة.
ولهذا: إذا قبض المستأجر العين.. ضمن المنفعة دون العين، وما كان العوض في مقابلته.. فهو المعقود عليه، وقوله: (أجرتك داري) معناه: منفعة داري، ولو قال: أجرتك منفعة داري.. صح.
إذا ثبت هذا: فإن منافع العين المستأجرة تحدث على ملك المستأجر.
وقال أبو حنيفة: (المنفعة تحدث على ملك المؤاجر، ولا يملكها المستأجر بالعقد).
ودليلنا: أن منافع الأعيان كالأعيان الموجودة، بدليل: أنه يجوز العقد عليها، كما يجوز العقد على الأعيان الموجودة، وإذا صح العقد عليها.. فقد انتقلت إلى ملك المستأجر، فكانت حادثة على ملكه، كمنافع أعيان ماله.

.[مسألة: الإجارة على الأعمال والأعيان]

يصح عقد الإجارة على الأعمال والأعيان، فأما عقدها على الأعمال: فينقسم قسمين:
أحدهما: إجارة على عمل معين، مثل: أن يقول: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب.. فيلزمه أن يخيطه بنفسه.
والثاني: على عمل في الذمة، مثل: أن يقول: استأجرتك على أن يحصل لي خياطة هذا الثوب، فيجوز أن يخيطه بنفسه، ويجوز أن يستأجر غيره، أو يستعينه عل خياطته؛ لأن المنافع كالأعيان، فلما جاز عقد البيع على عين معينة، وعلى عين موصوفة في الذمة، فكذلك الإجارة.
وأما عقد الإجارة على الأعيان: فالأعيان تنقسم قسمين: عقارًا، وغير عقار.
فأما غير العقار: فيصح عقد الإجارة فيها على عين معينة، مثل: أن يقول: أجرني عبدك هذا، أو جملك هذا، فيملك المستأجر منفعة تلك العين المعينة، كما لو اشتراه. ويصح عقد الإجارة على عين موصوفة في الذمة، مثل: أن يقول أجرني عبدًا، أو جملًا في ذمتك، ويصفه، ويصف ما يكتري له، كما يصح أن يسلم إليه في عبد أو جمل في ذمته، فإن قال: أجرني عبدك الفلاني، ولم يكن المستأجر رآه.. فهل يصح؟ فيه قولان، بناء على القولين في بيع عين معينة لم يرها المشتري.
وأما العقار، كالدور، والأرض: فيصح عقد الإجارة عليها، ولكن لا يصح إلا على عقار معين، مثل: أن يقول: أجرني دارك هذه، أو أرضك هذه، فإن قال: أجرني دارًا، أو أرضًا في ذمتك.. لم يصح؛ لأن العقار لا يثبت في الذمة، ولهذا لا يصح السلم عليه، فكذلك الإجارة.

.[فرع: ما جاز الإجارة على كله جازت على بعضه]

وكل عين جاز عقد الإجارة عليها، إما معينة أو في الذمة.. جاز عقد الإجارة على جزء مشاع منها، سواء استأجرها الشريك أو غيره، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وزفر: (لا يجوز إجارة المشاع إلا من الشريك).
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تجوز إجارة المشاع بحال.
دليلنا على أبي حنيفة: أن كل عقد ملك أن يعقده مع شريكه.. جاز أن يعقده مع غير شريكه، كالبيع.
وعلى أبي يوسف، ومحمد: أنها منفعة يتعلق بها عقد الإجارة، فإذا جاز بيع أصلها.. جاز عقد الإجارة على تلك المنفعة، كالدار إذا كانت مقصودة، ولأن الدار إذا كانت لنفسين، فأجراها معًا من واحد.. جاز، ونحن نعلم أن كل واحد منهما قد أجر نصفه مشاعًا، كذلك إذا أجر أحد الشريكين.

.[مسألة: جواز إجارة الأرض بكل عين أو منفعة]

يجوز إجارة الأرض للزراعة بكل ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع، سواء كان مما تنبته الأرض كالحبوب، أو مما لا تنبته الأرض، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الحسن البصري، وطاووس: لا تجوز إجارة الأرض بحال، بعد أن وافقانا على جواز إجارة الدور والدكاكين.
وقال مالك: (لا تجوز إجارة الأرض بما تنبته من الحبوب، كالحنطة، والشعير، والذرة). واحتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا بطعام مسمى».
دليلنا على الحسن، وطاووس: ما ذكرناه من الأخبار في أول الباب.
وعلى مالك: أن ما جاز أن يكترى بالذهب والفضة.. جاز بما تنبته الأرض، كالدور، والدكاكين. وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ولا بطعام مسمى» فأراد: مما يخرج من تلك الأرض، وخرج النهي على عرف أهل البلد ذلك الوقت؛ لأنهم كانوا يكرون الأرض بما يخرج على السواقي والجداول، أو بربع ما يخرج منها، أو بثلثه، أو بشيء مسمى مما يخرج منها، فنهاهم عن ذلك.
إذا ثبت هذا: فإن اكترى أرضًا للزراعة أو للغراس.. نظرت:
فإن كان لها ماء دائم لا ينقطع في العادة، مثل: أن تكون تشرب من دجلة أو الفرات، أو كان لها نهر أو بئر، أو كان لها بركة قد جمع فيها ماء من الأمطار يكفيها، أو كانت الأرض (بعلًا) وهي: الأرض التي فيها نداوة تكتفي بها.. صحت إجارتها للزرع والغراس؛ لأنه يمكنه زراعتها مع ذلك، فصح، كما لو باعه عبدًا يملكه.

.[مسألة: استأجر أرضًا لا ماء فيها]

قال الشافعي: (فإذا تكارى الأرض التي لا ماء لها، وإنما تسقى بنطف سماء أو سيل إن جاء.. فلا يصح كراؤها إلا على أن يكريه إياها أرضًا بيضاء لا ماء لها، يصنع بها المكتري ما شاء في سنته، إلا أنه لا يبني ولا يغرس، فإذا وقع على هذا.. صح الكراء، ولزمه، زرع أو لم يزرع. فإن أكراه إياها على أن يزرعها، ولم يقل: أرضا بيضاء لا ماء لها، وهما يعلمان أنها لا تزرع إلا بمطر أو سيل يحدث.. فالكراء فاسد).
قال أصحابنا: وإذا اكترى أرضًا ليس لها ماء قائم، وإنما تزرع على سيل نادر إن جاء، أو بالأمطار الكثيرة، ولا تكتفي بالمطر المعتاد والنطف.. ففيها ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يكتري هذه الأرض للزراعة.. فلا يصح؛ لأن اعتماد الزرع على السقي، فإذا لم يكن لها ماء قائم لا ينقطع في العادة.. لم يتمكن من استيفاء المنفعة،
إذ السيل النادر مظنون، والمطر الكثير قد يقل؛ لأن العادة قد جرت أن الكثير قد يقل، فلم يصح، كما لو أكراه أرضًا لا يملكها.
الثانية: أن يقول: أجرتك هذه الأرض، وهي أرض بيضاء لا ماء لها، ولا يقول: للزراعة.. قال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: فتصح الإجارة؛ لأن الأرض قد تكترى للزرع وغيره، بأن يقعد فيها، أو يؤوي إليها بهائمه، أو يطرح فيها طعامًا أو حطبًا.
وقال الصيمري: لا تصح هذه الإجارة حتى يقول: أجرتكها أرضًا بيضاء لا ماء لها، تصنع بها أنت بلا ماء لنفسك ما شئت، ولا يستغنيان بقولهما: لا ماء لها، فإن لم يقولا جميع ذلك.. بطل؛ لأن الظاهر عند الإطلاق - ولا ماء لها - أن رب الأرض ربما تكلف سوق الماء إليها.
إذا ثبت هذا: فيجوز له أن يزرع هذه الأرض مدة الإجارة، ويحفر فيها بئرًا للسقي؛ لأن الزرع من منافع تلك الأرض، وله طم البئر، وله تركها إذا رضي مالك الأرض بتركها. وليس له الغرس فيها، ولا البناء؛ لأنهما يرادان للبقاء، والمكري لم يدخل على أن يبقى في أرضه شيء بعد مدة الإجارة.
الثالثة: أن يقول: أجرتك هذه الأرض، ولم يقل: للزراعة، ولا أنها أرض بيضاء، فهل تصح الإجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن الأرض إنما تراد للزرع في العادة والغالب، ولو شرط الزراعة.. كان باطلًا، فكذلك إذا أطلق.
والثاني: ينظر فيها: فإن كانت بحيث لا يمكن أن يساق إليها ماء من نهر لارتفاعها، ولا يتأتى فيها بئر يحفر لصلابتها أو لقلة الماء فيها.. صح الكراء؛ لأن عمله بذلك بمنزلة ما لو شرط أنها أرض بيضاء.
وإن كانت بحيث يمكن أن يساق إليها الماء من نهر، أو يحفر فيها بئر ماء.. لم يصح الكراء؛ لأن المكتري يجوز أن يعتقد أن لها ماء، أو أن المكري يحصل لها الماء، وأنه يكتريها للزراعة، وذلك متعذر في العادة، فلم يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وقد ذكرها أبو إسحاق المروزي في " الشرح "، وسها في كلمة، فقال: فيها وجهان، أحدهما: لا يصح إذا شرط زرعها. وجميع أصحابنا قالوا: إذا شرط زرعها.. لم يصح، وجهًا واحدًا، وإنما الوجهان عند الإطلاق.
وإن كانت الأرض مما يكتفي زرعها بالمطر القليل.. قال الشيخ أبو حامد: صحت إجارتها للزرع؛ لأن الله تعالى ما أجرى العادة بقطع الأمطار جملة، وإنما أجرى العادة بأن المطر قد يقل، فلذلك قلنا: لا تصح إجارة الأرض للزرع التي لا يكتفي زرعها إلا بالمطر الكثير.
وإن كانت الأرض لا تشرب إلا من زيادة نهرٍ، فإن كانت زيادته نادرةً، فإن اكتراها للزراعة بعد زيادة الماء.. صح؛ لأن الانتفاع بها ممكن، وما يتخوف في ثاني الحال من نقص يؤثر بالزرع.. لا يؤثر، كمن اشترى عبدًا، فإنه يصح وإن كان يتخوف موته أو إباقه. وإن اكتراها للزراعة قبل زيادة الماء.. لم يصح؛ لأنه قد يزيد، وقد لا يزيد، وذلك ضر مظنون، فلم يصح.
فإن اكتراها على أنها ارض بيضاء لا ماء لها، ولم يقل: للزراعة.. صح، كما قلنا في الأرض التي لا ماء لها. وإن اكتراها، ولم يقل: إنها أرض بيضاء لا ماء لها، ولا أنه يكتريها للزراعة.. لم يصح، وجهًا واحدًا؛ لأن لها ماءً بحالٍ؛ لأنه يمكن أن يسقي من النهر بالدواليب وإن كانت عالية.
فإن كانت الزيادة معتادةً.. صحت إجارتها للزراعة قبل وجود الزيادة، فكذلك
تصح إجارة أرض البصرة التي تشرب من المد للزرع؛ لأن ذلك معتاد لا يختلف؛ لأن الماء يمد كل يوم مرتين.
قال ابن الصباغ: وكذلك تصح إجارة الأرض التي تشرب بالمطر المعتاد للزرع قبل مجيء المطر، ولعله أراد الأرض التي تكتفي بالمطر القليل، كما ذكره الشيخ أبو حامد.